الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
232
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمرج : له معان كثيرة ، وأولاها في هذا الكلام إنه الإرسال من قولهم : « مرج الدابة » إذا أرسلها ترعى في المرج ، وهو الأرض الواسعة ذات الكلأ الذي لا مالك له ، أي : تركها تذهب حيث تشاء . والمعنى : أرسل البحرين لا يحبس ماءهما عن الجري حاجز . وهذا تهيئة لقوله بعد يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ . والمراد : أنه خلقهما ومرجهما ، لأنه ما مرجهما إلا عقب أن خلقهما . ويلتقيان : يتصلان بحيث يصب أحدهما في الآخر . والبحر : الماء الغامر جزءا عظيما من الأرض يطلق على المالح والعذب . والمراد تثنية نوعي البحر وهما البحر الملح والبحر العذب . كما في قوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ [ فاطر : 12 ] والتعريف تعريف العهد الجنسي . فالمقصود ما يعرفه العرب من هذين النوعين وهما نهر الفرات وبحر العجم المسمّى اليوم بالخليج الفارسي . والتقاؤهما انصباب ماء الفرات في الخليج الفارسي . في شاطئ البصرة ، والبلاد التي على الشاطئ العربي من الخليج الفارسي تعرف عند العرب ببلاد البحرين لذلك . والمراد بالبرزخ الذي بينهما : الفاصل بين الماءين الحلو والملح بحيث لا يغير أحد البحرين طعم الآخر بجواره . وذلك بما في كل ماء منهما من خصائص تدفع عنه اختلاط الآخر به . وهذا من مسائل الثقل النوعي . وذكر البرزخ تشبيه بليغ ، أي بينهما مثل البرزخ وهو معنى لا يَبْغِيانِ ، أي لا يبغي أحدهما على الآخر ، أي لا يغلب عليه فيفسد طعمه فاستعير لهذه الغلبة لفظ البغي الذي حقيقته الاعتداء والتظلم . ويجوز أن تكون التثنية تثنية بحرين ملحين معينين ، والتعريف حينئذ تعريف العهد الحضوري ، فالمراد : بحران معروفان للعرب . فالأظهر أن المراد : البحر الأحمر الذي عليه شطوط تهامة مثل : جدّة وينبع النخل ، وبحر عمان وهو بحر العرب الذي عليه حضرموت وعدن من بلاد اليمن . والبرزخ : الحاجز الفاصل ، والبرزخ الذي بين هذين البحرين هو مضيق باب المندب